ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
392
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
الفصاحة والبلاغة والكشف عن دقائقهما وحقائقهما ، فينبغي أن أختمه بذكر فضليهما ؛ فأقول : اعلم أن هذا الفن هو أشرف الفضائل ، وأعلاها درجة ، ولولا ذلك لما فخر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في عدة مواقف ، فقال تارة : « أنا أفصح من نطق بالضّاد » ، وقال تارة : « أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد قبلي : كان كلّ نبيّ يبعث في قومه بعثت إلى كلّ أحمر وأسود ، وأحلّت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض طيّبة وطهورا ، ونصرت بالرّعب بين يدي مسيرة شهر ، وأوتيت جوامع الكلم » ؛ وما سمع بأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم افتخر بشيء من العلوم سوى علم الفصاحة والبلاغة ، فلم يقل إنه أفقه الناس ، ولا أعلم الناس بالحساب ، ولا بالطب ، ولا بغير ذلك ، كما قال : « أنا أفصح من نطق بالضاد » . وأيضا فلو لم تكن هذه الفضيلة من أعلى الفضائل درجة لما اتصل الإعجاز بها دون غيرها ؛ فإن كتاب اللّه تعالى نزل عليها ، ولم ينزل بمعجز من مسائل الفقه ، ولا من مسائل الحساب ، ولا من مسائل الطب ، ولا غير ذلك من العلوم . ولما كانت هذه الفضيلة بهذه المكانة صارت في الدرجة العالية ، والمنثور منها أشرف من المنظوم ؛ لأسباب : من جملتها أن الإعجاز لم يتصل بالمنظوم ، وإنما اتصل بالمنثور ؛ الآخر : أن أسباب النظم أكثر ، ولهذا نجد المجيدين منهم أكثر من المجيدين من الكتاب ، بل لا نسبة لهؤلاء إلى هؤلاء ، ولو شئت أن تحصي أرباب الكتابة من أول الدولة الإسلامية إلى الآن لما وجدت منهم ممن يستحق اسم الكاتب عشرة ، وإذا أحصيت الشعراء في تلك المدة وجدتهم عددا كثيرا ، حتى لقد كان يجتمع منهم في العصر الواحد جماعة كثيرة كل منهم شاعر مفلق ، وهذا لا نجده في الكتاب ، بل ربما ندر الفرد الواحد في الزمن الطويل ، وليس ذلك إلا لوعورة المسلك من النثر ، وبعد مناله ، والكاتب هو أحد دعامتي الدولة ؛ فإن كل دولة لا تقوم إلا على دعا متين من السيف والقلم ؛ وربما لا يفتقر الملك في ملكه إلى السيف إلا مرّة أو مرتين ، وأما القلم فإنه يفتقر إليه على الأيام ، وكثيرا ما يستغني به عن السيف ، وإذا سئل عن الملوك الذين غبرت أيامهم لا يوجد منهم من